Sunday, May 17, 2009

من قتل يوسف ؟


كنت أراهم كلهم متشابهين وهم يتحركون داخل حارتنا الصغيرة ، وأقدامهم الغليظة تصنع إيقاعات منتظمة كلما ارتطمت بالأرض ، كانوا لا ينظرون إلينا أثناء مرورهم ، كنت أرغب بشدة في أن أرى وجوههم المختفية دائماً داخل خوذاتهم السوداء ، لم أر منهم قط سوى أعينهم التي تظهر من خلف زجاج الخوذة الغليظ
عندما مروا اليوم من أمام منزلنا سألت جهاد صديقي الأسمر الذي يسكن بجوارنا "كيف تبدوا وجوههم؟" سألت جهاد وأنا أنظر إليهم متأملاً أعينهم التي تحملق للاشئ
أجابني جهاد وهو يهمس
-قالت لي أمي ذات يوم أنهم جميعاً صلع الرؤوس
تصورت في داخلي أنهم لا يخلعون تلك الخوذات قط ، كيف تبدوا وجوههم ؟ بالتأكيد بشعة جداً حتى يخفونها طيلة الوقت بهذه الخوذات .. "هم من قتلوا يوسف " همس بها جهاد في أذني .. عرفت الآن لماذا كانت أمي تمنعني دائماً من الخروج من المنزل
لم أكن أعرف عن يوسف سوى أنه كان شقيقي الصغير .. كنت أظن أنه مات .. والآن عرفت من جهاد أنه لم يمت .. بل قتل .. قتله هؤلاء الرجال صلع الرؤوس
بعد أن عرفت ذلك أخذت أهتم ببندقيتي ، علي أن أحملها معي في كل مكان ، ربما أحتاج إليها إذا ما حاول أحد قتلي ، وربما أجد قاتل يوسف فأقتله
كنت ألعب مع جهاد في الحارة لعبة الحرب ، كنت دائماً أقوم بدور الجندي .. أضع على رأسي إناء معدنياً وأمسك ببندقيتي .. وكان جهاد يحمل الحجارة الصغيرة ويقذفها ناحيتي .. إذا ما أصاب الحجر الإناء المعدني أموت ، ومنذ ذلك اليوم رفضت أن ألعب دور الجندي ، فلن أستطيع أن أقتل يوسف ، فتخليت عن الإناء المعدني لجهاد فطلب مني جهاد البندقية ولكني رفضت "ولكن العربي لا يحمل بندقية ،عليك أن تعطيني إياها وتجمع الحجارة من على الأرض" قالها جهاد .. ورفضت .. ولم نلعب في ذلك اليوم
"لماذا لا يكون السلاح مع العربي في اللعبة ؟ أما يستطيع شراء واحداً ؟" سألت أمي .. فوضعت إصبعها على صدري وقالت "هنا سلاحك" لم أفهم شيئاً .. وأخذت أتحسس صدري .. ربما كانت هناك بندقية لا أراها .. ولكني لم أجد شيئاً .. فلم يكن في استطاعتي فتح صدري
مروا هذا اليوم أيضاً .. بنفس الإيقاعات المنتظمة .. كنت أريد أن أعرف .. من منهم قتل يوسف ؟ لم أكن أصدق أنهم جميعاً قتلوا يوسف .. بالتأكيد هو واحد فقط .. حاولت أن أعرفه .. ولكنهم كانوا جميعاً متشابهين
لم أكن أعرف كيف مات يوسف.. فنحن عندما نلعب لعبة الحرب كنت أطلق بندقيتي على جهاد وكان يموت .. ولكنه كان يقوم واقفاً بعدها فوراً .. لماذا لم ينهض يوسف ويقف ثانية ؟ ألم يعرف بعد أن اللعبة قد انتهت
قابلت رجلاً ذات يوم يرتدي نظارة ، كان أحد العمال الذين يقومون ببناء جدار ضخم خارج حارتنا ، كان جالساً أسفل شجرة كرز عجوز ، كنت ماراً أمامه فأشار إلي وابتسم ، وكنت أأكل عنباً فأعطيته بعضاً منه فربت على رأسي وابتسم
سألته لماذا يبني هذا الجدار الضخم .. لم يكن يعرف .. هم طلبوا منه أن يقوم بذلك العمل .. قال أنه جندياً .. كيف يكون جندياً وهو لا يرتدي خوذة ولا يحمل بندقية كما أنه ليس أصلع الرأس ؟ كان له شعر أسود خفيف .. ولكني ابتعدت عنه فوراً
"قابلت اليوم جندياً .. ولكنه بلا خوذة .. أعطيته بعض العنب" قلت لأمي .. ارتسم الحزن على وجهها أكثر ولم تتكلم .. لم أكن أعرف لماذا هي حزينة
وفي اليوم التالي كنت أمر بجوار العمال .. بحثت بعيني عن الجندي أسود الشعر .. ربما يعرف من قتل يوسف .. وجدته يمزج الرمال بالماء كما يمتزج عرقه بشعره .. كان يتصبب عرقاً .. رآني فأشار إلي .. كنت متردداً .. ولكني ذهبت ناحيته فقد كنت أحمل بندقيتي خلف ظهري
-ماهذه ؟ سألني الرجل
-بندقيتي
-ماذا تفعل بها؟
-لاشئ .. حتى أجد من قتل يوسف
-وحينما تجده ؟
-سأقتله
قلتها بتحد .. فابتسم الرجل ولم يرد .. ظننته سيخبرني من قتل يوسف .. ولكنه لم يقل شيئاً
أخذت أفكر .. لماذا قتل يوسف ؟ ماذا فعل كي يقتل ؟ فتذكرت لعبة الحرب حين كنت أقتل جهاد .. لم أكن أعرف لماذا أقتله .. ولكن كان علي قتله كي أنتصر
كبرت بسرعة .. ولا يزال العمال يبنون الجدار .. ولايزال الجنود يمرون من حارتنا بإيقاعاتهم المنتظمة وخوذاتهم القاتمة .. لايزالوا متشابهين
مات الكثيرين .. قتلهم الجنود ..لم أعرف السبب حتى الآن .. ولكني لم أعد أبحث عن قاتل يوسف.. فقد قتل الكثيرين بعده .. وسيقتل كذلك الكثيرين .. كما ذهبت اليوم ناحية العمال الذين يبنون الجدار فعرفت أن الجندي أسود الشعر قد مات .. ولايزال الجدار يبنى ولم يتوقف .. لذلك ليس هناك فائدة من معرفة من قتل يوسف ؟ جميعهم قتلوا يوسف .. وجميع من قُتلوا يوسف

3 comments:

Hoda said...

رااااااااااااااااااااااااااااااائعة
فعلا أحييك

نادى الاخبار said...

الصورة جامدة جدى

إبراهيم محسن said...

Hoda & نادي الأخبار

أشكركما على زيارتكما
تشرفت جداً

شكراً